الشيخ محمد هادي معرفة

515

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

أن تتّصف الكلمات الحقّة من القرآن والأحاديث بسبب الترجيع لهو الحديث وقول الزور ؟ وأيّ عقل يجوّز أن يصير القرآن الذي هو أحسن ( وأصدق ) حديثا بسببه قولًا زورا وكذبا صراحا وأن تتقلّب الآيات القرآنية الإنشائية بتطريب الصوت المترجّع بها إلى الحقيقة الخبرية وصارت أحاديث ملهية وأقوالًا كاذبة ؟ أعاذنا اللّه وإيّاهم من سوء الفهم وقلّة التدبّر فإنّه بئس القرين . فظهر حقّ الظهور ممّا ذكرنا وقرّرنا مرارا أنّ مرادهم عليهم السلام من الغناء الذي نهوا عنه هو الأصوات الملهية التي يتصوّت بها الفسّاق ، ولمّا كانت هذه في ضمن الكلمات الملهية - كما هو شائع في زمامنا هذا إذ لا تخلو الأزمنة عنهم وعن مقتضى طباعهم - عبّروا عليهم السلام عنه بلهو الحديث وقول الزور ، بل يمكن أن يستدلّ بهذه الأحاديث على أنّ المراد بالغناء المذموم الأصوات المطربة في ضمن الكلمات الملهية ، كما ذهب إليه بعض الأفاضل والعجب كلّ العجب من أقوام ينتحلون فهم الحديث لأنفسهم ويدّعون صرف أعمارهم في تتبّعها كيف غفلوا عن هذه التصريحات وحكموا بحرمة مطلق السماع وكيف اجترأوا على مخالفة النصوص الصراح . نعم « مَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ » . « 1 » المقصد الثاني في تتميم القول في تحقيق الحقّ من طريق آخر وهو بناء الكلام مع المنكرين المحرّمين على أنّ الغناء في جميع الأحاديث الواردة مستعمل في معناه اللغوي تنزّلًا ومماشاةً معهم . فنقول وباللّه التوفيق : الغناء كما حقّقته في المسألة اللغوية من الألفاظ المشتركة واستعمل في الأحاديث المذكورة مفردا ولا يمكن أن يكون مستعملًا في كلا معنييه في استعمال واحد لما عرفت في المسألة الأولى الأصولية ، فوجب أن يكون مستعملًا في أحد معنييه ، فالغناء المنهيّ عنه في الأحاديث المذكورة يجب أن يكون مستعملًا في كلّ

--> ( 1 ) - النور 40 : 24 .